خزانة الروح: عن معطفٍ لم يعد يدفئ
في خزانة الروح، هناك، ما زال معلقًا ذاك المعطف. لا أجرؤ على لمسه، ولا أقوى على رميه. أقف أمامه أحيانًا كما يقف المرء أمام قبر لا يعرف إن كان الفقيد فيه يستحق الدموع أم اللعنات. خيوطه ليست من صوف، بل من نسيج وعدٍ بارد، ووهمه بالدفء كان أشد فتكًا من كل صقيع العالم. لم يكن مجرد معطف. كان وطناً ارتديته لأحتمي من عراء أيامي، وكان جلداً ثانياً ظننته سيستر عيوبي الأبدية. دسستُ في جيوبه كل كنوزي الصغيرة: ثقة طفلة، مفاتيح بيتٍ لم يُبنَ بعد، وقصاصات ورقٍ كتب عليها اسمي بخط يدهم. كنت أظنها محفوظة. لم أدرك أن الجيوب المثقوبة لا تحفظ شيئًا، بل هي بوابات للسقوط الصامت، تبتلع كنوزك بهدوء، ثم تتهم الريح بالسرقة. ألبسه أحيانًا في ليالي الوحشة الموحلة. ليس لأستدفئ، لا... بل لأتذكر بدقةٍ تشريحيةٍ كيف كان البرد قاسيًا وأنا أظنه دفئًا. لأتحسس الفراغ الذي تركته أجسادهم في قماشه، فراغٌ له شكلٌ وحجمٌ وثقل. إنه ليس غيابًا، بل حضورٌ سالب، حضورٌ أثقل أ...